حقائق: لفهم النزاع الحدودي بين إريتريا و جيبوتي

Eritrea and Djibouti border showing the disputed Ras Doumera area, top right (Wikipedia / Perry-Castañeda Library Map Collection)

أصبحت المنطقة الصحراوية الساحلية والتي وصفها الجغرافيون الفرنسيون في عام ١٩٠٠م بأنها غير هامة اقتصاديا واستراتيجيا، أصبحت نقطة نزاع حدودي جديد بين إريتريا وجيبوتي مع آثار إقليمية أوسع.

وتقول جيبوتي إن القوات الإريترية بدأت تتحرك إلى المناطق المتنازع عليها على الساحل – جبل دوميرا وجزيرة دوميرا – في ١٣ يونيو الجاري، وهو نفس اليوم الذي إنسحبت فيه قوات حفظ السلام القطرية المتمركزة في المنطقة بموجب إتفاق مؤقت بين البلدين في العام ٢٠١٠م، حيث جاء الإنسحاب بصورة غير معلومة و غير معلنة.

وجاء انسحاب القوات القطرية بعد ان قطعت جيبوتي علاقاتها مع قطر واعلنت انحيازها للائتلاف السعودي سعيا للضغط على دولة قطر بسبب دعمها المزعوم للارهاب والجماعات الراديكالية في الشرق الاوسط.

إليكم ما تحتاجون إلى معرفته حول النزاع الإريتري الجيبوتي:

إتفاقيات تاريخية

توصلت دولتي إريتريا وجيبوتي و بوساطة قطرية الى اتفاق في العام ٢٠١٠م، على أن يقوم الجانبان بتشكيل لجنة يترأسها حاكم قطر، من شأنها حل النزاع الحدودي، في حين تتحمل قطر نفسها المسؤولية عن المنطقة الحدودية إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي. ولكن منذ ذلك الحين، فشلت اللجنة في ترسيم الحدود.

هذا و تناولت معاهدتان سابقتان أيضا مسألة الحدود في هذه المنطقة، على الرغم من أن وضعهما القانوني ومدى ملاءمتهما قد يثيران شكوكا في الوضع الراهن. و احدى هذه المعاهدات، المعاهدة الإيطالية الفرنسية لعام ١٩٠٠م، التي قسمت منطقة رأس دوميرا إلى إيطاليا-شمالا (في وقت لاحق إريتريا) وفرنسا-جنوبا (جيبوتي في وقت لاحق).

حالة جزيرة دوميرا، و التي تقع على مقربة من رأس دوميرا، لم يتم تسويتها وفق معاهدة ١٩٠٠م، بصورة مبدئية لم تكن أي من فرنسا أو إيطاليا يرغبان حينها في الجزيرة القاحلة، وأشارت النشرة الجغرافية الفرنسية لعام ١٩٠٠م إلى أنه تم إرسال بعثة فرنسية لترسيم الحدود مع المستعمرة الإيطالية، و لكنها وصفت رأس دوميرا والجزيرة المجاورة بأنها قليلة القيمة.

“هذه الصخور القاحلة والصحاري هي من الحد الأدنى من الإهتمامات من وجهة النظر الاقتصادية والاستراتيجية. الجزء الشمالي سيذهب الى ايطاليا، بينما يذهب الجزء الجنوبي الى فرنسا “، كما جاء في النشرة الجغرافية الفرنسية.

ومع ذلك، في منتصف الثلاثينيات، سعت الحكومة الإيطالية التوسعية آنذاك إلى المطالبة بكل من رأس دميرة وجزيرة البحر الأحمر. و بينما تنازلت فرنسا عن الأراضي إلى إيطاليا في معاهدة عام 1937، الا ان المعاهدة لم يصدق عليها من قبل الجمعية الوطنية الفرنسية أبدا. و تستند إريتريا على معاهدة 1937 لتعزيز مطالبتها بالمنطقة، في حين ترفض جيبوتي صلاحية الصفقة الفرنسية الإيطالية.

قتال عام ٢٠٠٨م

اندلعت الحرب بين جنود إريتريين وجيبوتيين على الحدود بين البلدين في يونيو ٢٠٠٨م، ولكن العنف استمر بضعة أيام فقط. وكانت جيبوتي قد اتهمت أسمرا ببناء موقع عسكري على الأراضي الجيبوتية في رأس دوميرا في أبريل ٢٠٠٨م، و في المقابل قامت بنشر قواتها المسلحة الخاصة على منحدرات المنطقة الجبلية الساحلية المتنازع عليها.

و قد أدت الحشود العسكرية إلى العنف، حيث اشتبكت القوات القريبة من بعضها البعض، في نهاية المطاف. و وفقا لتقارير إخبارية من هيئة الإذاعة البريطانية في ذلك الوقت، فقد بدأ العنف في ١٠ يونيو ٢٠٠٨م عندما ترك عدة جنود أريتريين مواقعهم متجهين إلى الجانب الجيبوتي. حينها تعرضت القوات الجيبوتية لإطلاق النار من القوات الإريترية التي تطالب بعودة الهاربين. ومع ذلك، فقد اعتمدت هذه التقارير على مصادر في جيبوتي، ورفضتها إريتريا على أنها “مناهضة للإريتريين”، كما نفت ان تكون الإشتباكات قد اندلعت بسبب الجنود الفارين.

وقد لقى عدد من الجنود الجيبوتيين مصرعهم واصيب العشرات فى القتال. ونقل عن رئيس جيبوتي جويله في ١٣ يونيو من نفس العام قوله إن بلاده في حالة حرب مع إريتريا، و لكن وزارة خارجية الأخيرة قللت من حدة العنف، قائلة إن جيبوتي تحاول جر إريتريا إلى “نزاع”، وأن هذه قضية “مختلقة”. و تراجعت أعمال العنف في غضون أيام وسط دعوات دولية إلى حل بوساطة خارجية.

التحالفات الدولية في صراع عام ٢٠٠٨م

وكانت من بين الجهات الرئيسية الفاعلة في النزاع بين إريتريا وجيبوتي في عام ٢٠٠٨م هي فرنسا والولايات المتحدة، ضمن آخرين. وكشفت القوات الفرنسية عن دعمها للجيش الجيبوتي بتقديم الخدمات اللوجستية والاستخباراتية والدعم الطبي خلال النزاع، بما في ذلك القيام بمراقبة جوية على المنطقة محل النزاع. كما اعلنت فرنسا انها ستعزز قاعدتها العسكرية فى جيبوتى.

وزارة الخارجية الأمريكية إتخذت موقفا داعما للجانب جيبوتي، كما أدانت “العدوان العسكري” الاريتري. و قد أوضح الدعم الخارجي لجيبوتي، أنه على الرغم من أن الجيش الإريتري يفوق نظيره الجيبوتي عدة و عتادا بصورة ضخمة، إلا أن إريتريا لم تتمكن من شن حرب أكثر عدوانية دون المخاطرة بالدخول في صراع مع فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

السجناء الجيبوتيون في إريتريا

و ثمة نقطة حساسة لجيبوتي تتمثل في أن إريتريا لم تعيد عددا من جنودها الذين أسروا خلال صراع يونيو ٢٠٠٨م. و بالرغم من أن الوساطة القطرية نجحت في إعادة بعض السجناء الجيبوتيين، إلا أن آخرين لم يعرف مصيرهم.

وقد فر اثنان من أسرى الحرب الجيبوتيين من إريتريا في عام ٢٠١١م كما أطلق سراح أربعة آخرين، عادوا إلى جيبوتي بمساعدة فريق وساطة قطري في أوائل عام ٢٠١٦م. ومع ذلك، أفادت لجنة الأمم المتحدة المعنية بإريتريا بأن ١٢ من المحاربين لا يزالون في عداد المفقودين الآخرين، فيما اعترفت الحكومة الإريترية بأن شخصا آخر توفي أثناء احتجازهم.

“وقد أبلغت حكومة إريتريا فريق الرصد بأنه لا يوجد محاربين جيبوتيين على قيد الحياة محتجزين لديها: إذا كان الأمر كذلك، فمن الأهمية بمكان أن تكشف إريتريا ظروف وفاة المقاتلين الآخرين، سواء في ميدان المعركة أو في الحبس، وإذا كان هذا الأخير … سبب الوفاة ومكان الدفن “، أورد تقرير فريق الرصد التابع للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2016.” ليس هذا من مطالب مجلس الأمن فحسب، بل هو مطلوب أيضا بموجب المعاهدة الدولية والقانون العرفي، الذي يجب ان تلتزم به إريتريا”.

دور إثيوبيا

و يعود توتر العلاقات بين إريتريا وجيبوتي جزئيا إلى انسجام هذه الأخيرة مع إثيوبيا خلال الحرب الإريترية الإثيوبية في الفترة من ١٩٩٨م – ٢٠٠٠م. و خلال ذلك الصراع فقدت إثيوبيا إمكانية الوصول إلى ميناء مصوع الإريتري؛ حيث تدخلت جيبوتي، وأصبحت بذلك القناة الرئيسية لصادرات إثيوبيا. وعلى الرغم من أن جيبوتي لم تنضم إلى القتال، إلا أنها قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا.

حرب إريتريا مع إثيوبيا، التي بدأت باشتباك حدودي في منطقة بادمي النائية، جعلت أسمرا حساسة للتهديدات و الاقتحامات المتصورة على حدودها. و تعتبر أسمرا قرار لجنة الحدود الدولية لعام ٢٠٠٢م بأنه غير مشرف. وقد منح الحكم منطقة بادمى المتنازع عليها الى اريتريا، بيد ان القوات الاثيوبية مازالت تحتلها حتى يومنا هذا. وهذا عامل من عوامل عدم ثقة إريتريا بالوساطة الخارجية في المنازعات الحدودية مع جيرانها.

بنود الإتفاقية التي توسطت فيها قطر

إن اتفاق ٢٠١٠م بين إريتريا وجيبوتي جعل قطر مسؤولة عن مراقبة المناطق الحدودية المتنازع عليها مع توفير آلية للجانبين للوصول إلى تسوية دائمة في نهاية المطاف. كما أعطت الإتفاقية دولة قطر دورا رائدا في إعادة أسرى الحرب والمفقودين. وتنص المادة 6 من الاتفاق على ما يلي: “تقوم دولة قطر، بصفتها وسيطا في حل النزاع بين الطرفين، بالإشراف على مراقبة الحدود إلى أن يصدر القرار النهائي للجنة [الحدود] …”

ولم يتم تحديد عدد قوات حفظ السلام القطرية في المنطقة. و بينما قدر تقرير صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة حجم القوة القطرية بنحو ٢٠٠ فرد، قال مراقبون آخرون أن القوة كان قوامها يتراوح بين ٤٠٠ – ٥٠٠ شخص.

وأشار حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير خارجية قطر إبان الاتفاق إلى أن إريتريا انسحبت من المناطق الحدودية المتنازع عليها في عام ٢٠١٠م، لكنه أضاف أن “هذا الانسحاب لا يعتبر اعترافا بأي حقوق حتى الحل النهائي للنزاع وفقا لهذا الاتفاق”.

وقد كتب الباحثان المقيمان في قطر، سلطان بركات وسانسوم ميلتون على موقع قناة الجزيرة هذا الأسبوع أن الإبقاء على قوات حفظ السلام في الحدود النائية هو “مسعى غير محمود الى حد كبير” كما ألقيا باللوم على الطرفين، ولا سيما الطرف الإريتري، على فشلهما في الوصول إلى السلام. و قال بركات وميلتون إن سحب القوة القطرية لم يكن ردا على الدعم الجيبوتي أو الإريتري للمملكة العربية السعودية خلال أزمة الخليج الحالية، بل بسبب عدم إحراز تقدم في تنفيذ إتفاق عام ٢٠١٠م.

“وعلى الرغم من المحاولات المتواصلة لتحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق سلام، لم يحرز سوى تقدم ضئيل … لم تهتم الدولتان، ولا سيما إريتريا، بالنداءات الداعية إلى ترسيم الحدود بل و انما رفضت النظر إلى النزاع الحدودي على أنه مسألة خطيرة. وسمح وجود قوات حفظ السلام القطرية لكلا الطرفين بالتعرف على الوضع الراهن من جمود المنفعة المتبادلة”.

وعلى الرغم من ذلك، اعترف المقال على موقع الاخبار القطري بان انسحاب القوات “تسارع بلا شك بسبب التغيرات في العلاقات الدبلوماسية مع اريتريا وجيبوتي”.

ويوضح المقال أيضا أن انسحاب القوات القطرية قد يكون أكثر ارتباطا بالاحتياجات الأمنية الداخلية لدولة قطر من علاقاتها الخارجية مع إريتريا أو جيبوتي: “حيث يمثل عدد ٥٠٠ جندي استثمارا كبيرا لقوات عسكرية بالنسبة لقوات مسلحة قوامها ١٢٠٠٠ جندي خلال الأزمة الأكثر إلحاحا التي تواجهها البلاد في تاريخها “.

المبادرات الدبلوماسية الحالية

رئيس لجنة الاتحاد الافريقى موسى الفكي محمد أعلن انه سيرسل وفدا الى حدود جيبوتي لمراقبة التطورات.

بينما مجلس الامن الدولى قد ناقش وضع المنطقة في جلسة مغلقة يوم الاثنين، معلنا بعد ذلك ترحيبه باعتزام الاتحاد الافريقى نشر بعثة لتقصى الحقائق على الحدود مع جيبوتي. وقال مجلس الامن انه سيرحب ايضا “بالنظر فى اجراءات بناء الثقة فى المستقبل” وسيواصل متابعة الوضع عن كثب.

من جهتها قالت اريتريا في بيان أصدرته وزارة الاعلام يوم السبت انها لم تتلق اي توضيحات من قطر حول انسحابها “المتسرع” و الذي قالت انه حدث “في ظل مناخ مضطرب”.