تحليل: 5 أسباب قد تدفع الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن السودان

وزير الخارجية ريكس تيلرسون

تبقى حوالي اسبوعين من الموعد النهائي لاتخاذ ادارة ترامب، في الثاني عشر من شهر يوليو، قرار حول رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان بشكل دائم.

ومن بين الاجراءات الاخيرة التى قام بها باراك اوباما كرئيس امريكى، اصدار قرار بانهاء حظر تجارى امريكى على السودان منذ عقود. وقد أشيد بخطوة أوباما في الخرطوم كقرار تاريخي من شأنه أن يحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان بصورة كبيرة، كما يساعد السودان على تحسين وضعه الاقتصادي.

غير أن المرسوم لم يكن ساري المفعول إلا في يوليو، رهنا بمراجعة مدى تعاون السودان مع الولايات المتحدة في خمسة مجالات أو “مسارات”. وهكذا ترك القرار النهائي بشأن رفع العقوبات عن السودان في أيدي خليفة أوباما، دونالد ترامب، و وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، ضمن كبار المستشارين الآخرين.

وقد أوردت إثنين من وكالات الأنباء هذا الأسبوع أن المسؤولين الأمريكيين إيجابيون بشأن تقدم تعاون السودان في المسارات الخمسة، التي تشمل معالجة تهديدات جيش الرب للمقاومة؛ وإنهاء الأعمال العدائية في “المنطقتين” ودارفور؛ تحسين وصول المساعدات الإنسانية في دارفور؛ وإنهاء “التدخل السلبي” من جانب السودان في جنوب السودان.

ونقلت صحيفة “بلومبرغ” مؤخرا عن مسؤولين بارزين في واشنطن قولهم ان تيلرسون لم يتخذ قرارا نهائيا لكنه يؤيد فكرة رفع العقوبات. ونقلت وكالة الانباء الفرنسية عن دبلوماسي اميركي في الخرطوم قوله ان تقدم السودان على المسارات الخمسة كان “ايجابيا”.

وتشمل الخيارات المطروحة الآن أمام إدارة ترامب، المضي قدما في قرار أوباما، مواجهة القرار من أجل الإبقاء على العقوبات القائمة، أو رفع الحظر التجاري جزئيا مع الإبقاء على الإزالة الكاملة على الطاولة بشرط إحراز مزيد من التقدم في المجالات الخمسة المذكورة آنفا.

 المراسل تشرح، لماذا يدرس المسؤولون الأمريكيون إما رفع أو تخفيف الحظر التجاري الطويل الذي دام عقدين على السودان:

١ –  التعاون في مكافحة الإرهاب

      تغير دور السودان على الساحة الدولية بشكل ملحوظ منذ ان فرضت الحكومة الأمريكية لأول مرة عقوبات في التسعينات، بعد الدعم المزعوم من السودان لعناصر تنظيم القاعدة الذين هاجموا السفارتين الأمريكيتين في كل من دار السلام ونيروبي. واستمر التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، الذي نشط لأول مرة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، و ايضا في عهد أوباما كما لا يزال مجالا هاما للتعاون.

وكانت الصحف السودانية قد ذكرت فى مارس ان رئيس جهاز المخابرات فى البلاد زار واشنطن بدعوة من مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو. وفي الوقت نفسه، اتخذ السودان إجراءات ضد ما يسمى بالدولة الإسلامية -وهو أيضا تنظيم تعتبره الولايات المتحدة الامريكية عدو لها- بما في ذلك القبض على العديد من الأنصار المحليين لتنظيم الدولة الاسلامية.

وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس هذا الاسبوع، اشار القائم بالأعمال الاميركي في الخرطوم ستيفن كوتسيس الى ان الهدف الاساسي للعقوبات الاميركية التي فرضها الرئيس الاميركي بيل كلينتون كان الضغط على السودان لانهاء دعم المجموعات المتطرفة. وقد أضاف جورج دبليو بوش التدابير اللاحقة ردا على الحرب في دارفور. ويقول كوتسيس إن واشنطن تختلف مع الخرطوم على سجل الأخيرة في مجال حقوق الإنسان، لكنها لا تعتقد أن قرار رفع العقوبات الأمريكية يجب أن يكون مرتبطا بحقوق الإنسان.

٢ – هجمات أقل في المنطقتين و دارفور

    لم يشن السودان هجوما رئيسيا في موسم الجفاف في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2016-2017، و بدلا من ذلك قام بإعلان وقف إطلاق النار الذي إعترته بعض حوادث القتال المحلية. وقد يؤدي الحد من القتال في هذه المناطق -التي تقطنها اغلبية مسيحية- جزئيا إلى طمأنة واضعي السياسات والمشرعين في واشنطن، الذين تشكل مسائل الحرية الدينية مصدر قلق لهم.

أيضا الاوضاع الامنية في دارفور قد تحسنت بصورة جزئية، وفقا لدورية بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور التي تم نشرها في مارس / آذار. وقد التزمت الحكومة والعديد من الجماعات المتمردة إلى حد كبير بوقف لإطلاق النار، على الرغم من أن متمردى حركة تحرير السودان – مينى ميناوى اشتبكوا مع الحكومة فى مايو وهزموا، وذلك بعد طرد قوات ميناوى من جنوب السودان.

و كان آخر هجوم حكومي كبير في شباط / فبراير – حزيران / يونيو 2016 ضد حركة تحرير السودان – عبد الواحد في جبل مرة. وفي تشرين الثاني / نوفمبر، انشق قائد ميداني في حركة تحرير السودان – عبدالواحد يعرف باسم تورو وانضم إلى الحكومة مع عشرات المقاتلين وغيرهم من مسؤولي المتمردين، بمن فيهم المتحدث باسم الجماعة العسكرية شهاب الدين أحمد حقار.

ومع ذلك فقد تم التضييق على معاقل حركة تحرير السودان – عبدالواحد في منطقة جبل مدة بوسط دارفور من قبل الحكومة، مما مهد الطريق أمام وصول المساعدات إلى المنطقة التي كانت قد قطعت حتى الآن.

٣ – وصول المساعدات الإنسانية

   خلال الاشهر الستة الماضية اشارت الوكالة الامريكية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الامريكية، مرارا، الى دلائل على تقدم السودان فى تحسين الممرات الانسانية لوكالات الغوث الانساني فى ولاية غرب دارفور. وكانت جماعات الاغاثة قد قامت فى اواخر العام الماضى باعادة خدماتها فى قولو بوسط دارفور  كما هبطت الطائرات المدنية هناك للمرة الاولى منذ خمس سنوات. وقد اقامت مجموعة المساعدات الطبية الدولية “انترناشيونال ميديكال كوربس” بعض المرافق الصحية فى المنطقة.

كما رحبت الولايات المتحدة في كانون يناير / الثاني بتعديلات السودان على القيود السابقة على المساعدات الإنسانية. وذلك كما ورد على لسان المتحدث باسم الخارجية الامريكية “ونحن نعتقد عند تنفيذ هذه اللوائح المنقحة سيسهل جهود الجهات الإنسانية الفاعلة من ايصال المساعدات للمحتاجين. و نعتبر ذلك خطوة ايجابية، كما نتوقع ان نرى مكاسب مستمرة فى مجال وصول المساعدات الانسانية “.

٤ – أزمة قطر

   الخلاف الدبلوماسي في الشرق الاوسط جعل واشنطن في موقف صعب. يذكر ان قطر والمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة كلها حلفاء اميركيون ولديهم جماعات ضغط خاصة ونقاط نفوذ في واشنطن. يحرص وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون على إيجاد حل سريع يحول دون نشوب صراع طويل الأمد من شأنه ان يزعزع الاستقرار بين القوى الخليجية. لكن تيلرسون لا يمكنه بالضرورة أن يرفض بشكل عرضي مطالب التحالف الذي تقوده السعودية ويخاطر بتنفير او ابعاد السعوديين الذين يقودون مجموعة أقوى من حلفاء الشرق الأوسط.

أزمة قطر “تثير المخاطر” بشأن قرار العقوبات السودانية

   هذا يعني أن واشنطن قد تميل إلى الخوض بحرص في الأسابيع المقبلة في علاقاتها مع القوى العربية و السنية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط – بينها السودان – لأنها تسعى للتوسط لحل أزمة قطر. لهذا إن الترحيب بتخفيف العقوبات على السودان سيكون موضع ترحيب ليس فقط في السودان بل و انما في أماكن أخرى في الشرق الأوسط أيضا.

يقول بايتون نوبف، المسؤول الأمريكي السابق ومنسق فريق خبراء الأمم المتحدة في جنوب السودان، إن توقيت الموعد النهائي لشهر يوليو / تموز  بشأن العقوبات المفروضة على السودان – في خضم أزمة قطر – “يثير المخاطر” على القرار. وكتب نوبف على تويتر في 21 يونيو / حزيران، أن المملكة العربية السعودية دعت إلى رفع العقوبات عن السودان.

٥ – إنهاء الكفاح ضد جيش الرب للمقاومة

   قامت الولايات المتحدة وحليفتها الأوغندية على حد سواء باعطاء اولوية لمعركتهما طويلة الأمد ضد جيش الرب للمقاومة في جمهورية أفريقيا الوسطى وشمال جمهورية الكونغو الديمقراطية. و انسحبت القوات الخاصة الامريكية والقوات الاوغندية من جمهورية افريقيا الوسطى فى ابريل، مما انهى بحثهما عن زعيم جيش الرب للمقاومة جوزيف كونى، خالي الوفاض.

   وأوردت تقارير ان جوزيف كونى كان يتخذ من منطقة كفيا كينجى النائية فى السودان مقرا له، ولكن مكانه الحالى غير معروف. وقال الجنرال توماس فالدهاوزر قائد القيادة الامريكية الافريقية ان قواته خفَضت الى حوالى 150 جندى بعد جهود الحلفاء للقضاء على الملاذات الآمنة لجيش الرب وتشجيع الانشقاقات والقبض على القادة الرئيسيين.

وقال فالدهاوزر فى شهادته امام مجلس الشيوخ الامريكى فى مارس الماضى “ان جيش الرب للمقاومة لم يعد تهديدا للحكومات المركزية والمراكز السكانية، ولكنه انحسر الى مناطق غير مسيطر عليها”.

و بينما تم الإبلاغ عن تواجد قوات جيش الرب للمقاومة في دارفور مؤخرا في عام 2016، الا بعض المحللين الغربيين للسياسة الخارجية يرون، مع ذلك، ان السودان كشريك محتمل بدلا من ان يكون مفسدا؛ وكتبت مجموعة الأزمات الدولية، وهي مجموعة بحثية، في تقرير جديد أن “الخرطوم يعتقد أنها قد ابتعدت عن جيش الرب للمقاومة”. وأشار المجموعة إلى ان حضور السودان في اجتماع لمبادرة التعاون الإقليمي للقضاء على جيش الرب للمقاومة في عام 2017 علامة على “الرغبة فى التعاون” فى الجهود التى تقودها الولايات المتحدة للقضاء على هذه الجماعة.

 الأولوية الدنيا التي أعطيت لعمليات مكافحة جيش الرب للمقاومة في الأشهر الأخيرة، إلى جانب الاعتقاد بأن السودان يتعاون في الجهود التي تستهدف الجماعة، قد تكون لصالح السودان في أن يرفع المسؤولين الأمريكيين العقوبات المفروضة عليه.