مجموعة ال_٢٠ و التعاقد مع إفريقيا: إختراق للتنمية ام إنسداد ؟

German Chancellor Merkel in talks with African leaders in Berlin, June 12th, 2017 (bundesregierung.de)

تهدف مبادرة بقيادة ألمانيا تحت رعاية مجموعة العشرين إلى تعزيز الاستثمارات الخاصة في أفريقيا، وخاصة في البنية التحتية، ولكن بعض النقاد يتساءلون عما إذا كانت الخطة واقعية و تركز على الأولويات الصحيحة.

وتتولى المانيا حاليا رئاسة مجموعة العشرين او مجموعة العشرين التي تشكل منتدى دوليا للحكومات والبنوك المركزية في ٢٠ دولة كبرى من بينها فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا والصين واليابان وروسيا والمملكة العربية السعودية، والهند، وتركيا، وغيرها.

وتستخدم حكومة المستشارة أنجيلا ميركل رئاسة مجموعة العشرين لتعزيز ما يسمى ب “المعاهدة مع أفريقيا” و التي تهدف إلى تحسين مناخ الاستثمار الخاص في أفريقيا، ولا سيما من خلال إنشاء أدوات استثمارية جديدة مختلطة لإنفاق البنية التحتية. وقد وصفت حكومة ميركل الاتفاق بأنه “قضية توقيع” و “مشروع مركزي لرئاسة مجموعة العشرين في ألمانيا”.

وقد تمت صياغة وثيقة السياسات التوجيهية لاتفاق مجموعة العشرين مع أفريقيا من قبل مصرف التنمية الأفريقي وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، و اعتمدها وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظو البنوك المركزية في بادن بادن في الفترة من ١٧ إلى ١٨ مارس ٢٠١٧م .

غير أن “المعاهدة”، و التي تعني “اتفاق” أو “تواثق”، هي إلى حد ما تسمية خاطئة للوثيقة، نظرا لأنه لم يتم إقرارها من قبل الدول الأفريقية، باستثناء جنوب أفريقيا، التي هي عضو في مجموعة العشرين. وحضر وزراء مالية ساحل العاج والمغرب ورواندا والسنغال وتونس قمة بادن بادن، ولكن الوثيقة كلها نتاج للمؤسسات غير الافريقية، كما تتضمن اقتراحات لم تدعمها الحكومات الافريقية بعد.

و أجرت المستشارة الألمانية، أنجلا ميركل، حوارا رفيع المستوى مع القادة الافارقة فى برلين يومى ١٢ و ١٣ يونيو لحشد التأييد للخطة. ودعت البلدان الأفريقية التي حضرت إلى تقديم مقترحات بشأن كيفية خفض مخاطر الاستثمار، في إفريقيا، في حين أن دول مجموعة العشرين بدورها تهدف إلى اقتراح خطوات لتعزيز تدفقات الاستثمار.

وتشدد وثيقة السياسة العامة المدعومة من ألمانيا على مشاريع البنية التحتية الكبيرة مثل الطرق والمدارس ومحطات المياه ومحطات الطاقة والوصول إلى شبكة الإنترنت والسدود والمطارات والمستشفيات. وقالت الوثيقة “يجب ايلاء الاولوية للاستثمار فى البنية التحتية التى تعد حاسمة لجذب الاستثمارات الخاصة وربط اسواق افريقيا الاقليمية ودمجها بشكل افضل فى سلاسل القيمة العالمية”. واضاف ان “المكاسب الانتاجية واندماج افريقيا بشكل افضل فى الاقتصاد العالمى تعرقله الفجوة الهائلة فى البنية التحتية التى تؤثر بشكل كبير على امكانات القارة الانتاجية وتعرقل الاستثمار الخاص”.

البنية التحتية أو رأس المال البشري؟

Logo-CwA

ويتطرق تقرير جديد نشرته المؤسسة السياسية الألمانية فريدريك إيبرت إستيفتونق، إلى منطق اتفاق مجموعة العشرين، قائلا إنه غير مناسب بشكل خاص للبلدان ذات الدخل المنخفض أو الهشة.

“إن العديد من البلدان الأفريقية الأقل نموا ليست قادرة على الاستثمار في البنية التحتية، لأنها لا تملك الموارد المتاحة ولا تستطيع رفع الضرائب، وتحسين البيروقراطية، و تجنب ارتفاع الديون. هذه البلدان تفتقر إلى الموارد البشرية والقدرات المؤسسية المناسبة” أورد التقرير الذي شارك في تأليفه الأستاذان روبرت كابيل وهيلموت ريسن، وهما اقتصاديان في شركة استشارية ألمانية واستشارية اقتصادية بارزة، على التوالي.

ويجادل كابيل و رايسن أن تقرير الاتفاق مع أفريقيا “لا يقدم نهجا شاملا يضم الأعمال التجارية، والعمل، والتعليم، والبيئة”.

يريد الباحثان الألمانيان أن يشهدا مزيدا من الاستثمار في التعليم كتكملة لأي استثمار في البنية التحتية المادية. و شددا على أن خطة مجموعة العشرين “لا تشير حتى إلى دور الاستثمار في التعليم – الكفاءات التقنية والتدريب المهني والتعليم العالي – الذي حددته دراسات كثيرة كشرط رئيسي لمواصلة التنمية، بما في ذلك تطوير الصناعات المحلية و الوطنية و المشروعات الصغيرة و المتوسطة … [و] الزراعة “.

؛فجوة التعليم لها عواقب اقتصادية سلبية؛

ومن بين منتقدين آخرين لوثيقة مجموعة العشرين “حملة وان”، وهي مجموعة مرافعة مقرها العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث أسمت الوثيقة المعتمدة في بادن بادن “فرصة ضائعة”. وتقول المجموعة إن هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمارات في مجال التعليم. “إن ٥١ مليون فتاة أفريقية اليوم لا يحصلن على التعليم … هذه الفجوة التعليمية لها عواقب سلبية، حقيقية، من الناحيتين البشرية والاقتصادية”، على حد مقال نشرته “حملة وان” على موقعها الإلكتروني.

“إذا أكملت كل فتاة في أفريقيا جنوب الصحراء تعليمها الثانوي، فإنها يمكن أن تنقذ حياة ١،٢ مليون طفل دون سن الخامسة. وإذا تلقت الفتيات في البلدان النامية نفس مستويات التعليم مثل الأولاد، فإن إنتاجية إقتصاد هذه الدول يزيد بما يقرب ١١٢ مليار دولار سنويا”.

و تأتي الوثيقة أيضا تحت نيران اتباع نهج “مقياس حجم واحد يناسب الجميع” بجانب عدم وجود التزامات جدية في هذه المرحلة. “لسوء الحظ، ما تم الاتفاق عليه في بادن بادن كان أقل من التوقعات. لم يقرر الاجتماع أي شيء ملموس “، يقول جو كراوس من حملة وان.

و علل كل من كابيل و رايسن، بأن توصيات سياسة مجموعة العشرين ليست بالضرورة مناسبة تماما لجميع البلدان الأفريقية، قائلين إنه لا بد من إتخاذ خيارات صعبة فيما يتعلق بما هو مهم وما يمكن تحقيقه: “إن الاتفاق مع أفريقيا قد اقترح عددا كبيرا من ؛الإلتزامات السياسية للبلدان الأفريقية الشريكة، التي تعتبر ضرورية لتسهيل قيام البنية التحتية الخاصة والاستثمار الأجنبي المباشر للشركات. ويتعين على هذه الالتزامات أن تواجه اختبارات واقعية للبيئة السياسية والمؤسسية الصعبة في البلدان المنخفضة الدخل في أفريقيا “.

“وكما تشير التجارب السابقة في مجال إصلاحات السياسات في البلدان النامية، فإن الاتفاق مع أفريقيا قد يثبت عدم فعاليته، لأنه يفترض أن جميع البلدان النامية تعاني من نفس المشاكل وأن جميع المشاكل لها نفس القدر من الأهمية. ومع ذلك، فإن قائمة تدقيق غير موزونة لعناصر الحكم المختارة قد أدت في كثير من الأحيان إلى برنامج إصلاحي غير متمايز، فشل في استهداف الاختناقات الحادة للاقتصاد في ظل قلة رأس المال السياسي والإداري النادر “، وفقا لتقرير مؤسسة فريدريش إيبرت.

مركبات الاستثمار

G20-Afrika-Konferenz 2017
Angela Merkel plays host to African leaders in Berlin to discuss new investment vehicles, June 2017

ويجري تسويق او بيع مقترح مجموعة العشرين، في المانيا، لزيادة الاستثمار العالمي، كوسيلة لوقف الهجرة الأفريقية إلى أوروبا. وكان وزير الخارجية الالمانى جيرد مولر قد قال الشهر الماضى انه يخشى ان يصل ١٠٠ مليون لاجىء افريقى الى المانيا اذا لم يتم القيام بشىء.

يهدف جزء من التوقيع على الخطة، إلى إنشاء وسائل مبتكرة جديدة لتعزيز تدفقات رأس المال الأجنبي إلى أفريقيا، رهنا بتحسين البيئة التنظيمية للشركات الأجنبية والمستثمرين. على سبيل المثال، تقترح الخطة أن تقوم حكومات مجموعة العشرين بزيادة جاذبية السندات التي تصدرها الحكومات الأفريقية من خلال ضمانها، بشرط أن تنفذ البلدان الأفريقية السياسات الاقتصادية التي تفرضها مجموعة العشرين.

“يمكن لمجموعة ال ٢٠ والبلدان الشريكة الأخرى أن تلعب دورا في خفض تكاليف تمويل الاستثمار العام. ويمكن للمجتمع الدولي أن يطور أدوات لازالة مخاطر الأوراق المالية السيادية لتمويل الاستثمارات العامة المتزايدة (على سبيل المثال، من خلال ضمانات للسندات الدولية الصادرة عن البلدان الأفريقية) “، كما جاء في وثيقة السياسة المدعومة من ألمانيا. واضاف “في اطار الاتفاق مع افريقيا، يمكن ان تكون هذه الضمانات مشروطة بتطبيق سياسات اقتصادية كلية سليمة واصلاحات هيكلية من قبل البلد المتلقي”.

وفي هذا السيناريو، ستستفيد البلدان الأفريقية من سندات الدين المدعومة باقتصادات مجموعة العشرين بأسعار معقولة، في حين أن المستثمرين الأجانب سيستفيدون من الاستثمارات الأقل خطورة من غير ذلك سيكون من المستحيل إذا لم تكن السندات السيادية الأفريقية مضمونة من الخارج. بيد أن أمن هذه الاستثمارات الأجنبية ستعتمد بوضوح على إرادة سياسية في البلدان الأفريقية المعنية من أجل الحفاظ على السياسات التحررية الجديدة المفروضة من الخارج.

 هناك آلية أخرى لتعزيز تنمية البنية التحتية تتمثل في الاستثمار الأجنبي المباشر في مشاريع البنية التحتية من خلال إقامة شراكات بين الحكومة والقطاع الخاص. ويؤكد الاتفاق مع أفريقيا تركيزا شديدا على هذا النوع من الترتيبات.

و أورد تقرير الاتفاق: “إن تلبية احتياجات تمويل البنية التحتية في أفريقيا يعتمد بشكل حاسم على قدرة البلدان على إعداد وتنفيذ ورصد عقود المشاريع، بما في ذلك من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص”. “ويضيف التقرير أن” قدرة الحكومات على بناء الشراكات بين القطاعين العام والخاص بحاجة إلى تعزيز “، مما يوصي ببناء قدرات البنك الدولي في هذا المجال.

ويعتقد كابيل ورايسن، من جهة أخرى، أنه من غير الواقعي أن نتوقع أن تسد الشراكات بين القطاعين العام والخاص فجوة البنية التحتية في البلدان الأفريقية المنخفضة الدخل. ويشيرون إلى أن الاستثمار العام والمعونة الميسرة هما حاليا مصدر التمويل الرئيسي للبنية التحتية، كما أن العديد من البلدان الأفريقية لم تتقدم حتى في مرحلة استخدام القروض المصرفية للمشاريع الكبيرة، الأمر الذي يجعل من الأرجح أن لا تنجح هذه الخطط المعقدة لاستخدام الأسهم الخاصة و سندات المشروع.

من غير الواقعي أن نتوقع أن تؤدي الشراكات بين القطاعين العام والخاص إلى سد فجوة البنية التحتية

كما يحذران من أنه “عندما يمول القطاع الخاص مشاريع البنية التحتية الكبيرة في الأسواق غير الناضجة، فإن هناك خطرا يتمثل في أن العائدات الخاصة تأتي على حساب التكاليف المالية طويلة الأجل”. وبعبارة أخرى، يمكن للشركات الخاصة أن تستفيد من المرافق العامة والهياكل الأساسية إلى درجة تثبت انها ستكون مكلفة جدا بالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل من أجل استدامتها.

وهناك طريق ثالث لجمع الأموال للبنية الأساسية الأفريقية يتمثل في أسواق الدين المحلية. غير أن جميع البلدان الأفريقية تقريبا واجهت تحديات تاريخية في الاقتراض الطويل الأجل بالعملات المحلية، و وجدت أن الاقتراض الدولي بالعملات الأجنبية أقل تكلفة. ولمواجهة ذلك، يوصي الاتفاق مع أفريقيا بعدة طرق يمكن لبلدان مجموعة العشرين أن تساعد البلدان الأفريقية على تطوير أسواق ديونها المحلية لتكملة مصادر التمويل الخارجية. “إن تطوير أسواق الدين المحلي يجلب فوائد عديدة. إن إصدار السندات المحلية (الشركات أو العامة) … يمكن أن ييسر توافر التمويل الطويل الأجل للبنية التحتية “.

HelmutReisen3
Economist Helmut Reisen, co-author of a paper criticizing elements of the G20 ‘Compact with Africa’ (shiftingwealth.com)

ويختلف الاقتصاديان الالمان في هذه التوصية، محذرين من استخدام الائتمان المحلي لتمويل مشاريع البنية التحتية الكبيرة. ويقولون إن هذا النهج قد ينتهي بكونه أكثر كلفة: “معظم البلدان الفقيرة لا تقترض بعملتها الخاصة التي تسببت مرارا وتكرارا في أزمات الديون نتيجة لانخفاض قيمة العملة … استبدال الديون الخارجية بالعملات الأجنبية بالعملة المحلية قد يزيد من مخاطر الانقلاب ومخاطر زيادة أسعار الفائدة بسبب قصر آجال استحقاق هذه الأخيرة؛ وهذا يعني أنه سيتعين إعادة تمويلها بشكل متكرر وربما بمعدل أعلى “.

موجة نحو النمو أو عبء الدين الثقيل؟

والاتفاق من أجل أفريقيا يقدم وعودا نبيلة للدول الأفريقية التي تقوم بدورها وفقا لذلك. وقال التقرير ان مستوى غير مسبوق من التمويل – “ارتفاع الاستثمار الخاص … من بعض الدول الصناعية الى افريقيا” – ينتظر الدول الافريقية الراغبة فى رفع الحواجز التنظيمية وتحسين مناخ المخاطر.

وقال التقرير الذي شارك في إعداده البنك الدولي: “عندما تستثمر الشركات الدولية، فإنها تجلب التمويل والأفكار الجديدة والدراية التنظيمية التي ترفع الإنتاجية وتساعد على ربط أفريقيا بسلاسل القيمة العالمية”.

و لكن ماذا لو جاءت مشروعات البنية التحتية الموعودة بتكاليف تتجاوز الميزانية المحددة، و لم تولد النمو الاقتصادي و فرص العمالة المتوقعة، أو ان تخلق آثارا بيئية أو اجتماعية غير متوقعة؟ في سيناريوهات من هذا القبيل، يمكن للبلدان الأفريقية أن تجد نفسها ليست مثقلة بالديون الخارجية فحسب، ولكن أيضا بتكاليف صيانة جديدة لبنى تحتية منخفضة الأداء.

وقال كابيل ورايسن ان الخطة الجديدة لمجموعة العشرين “تتجاهل مخاطر القدرة على تحمل الديون المرتبطة بالتمويل المختلط”، كما دعيا مجموعة الدول المتقدمة بعدم “اجبار ودفع الديون الاجنبية الخاصة” على اقتصادات افريقية افقر غير مستعدة لها. كما حث الباحثين ايضا البلدان الأفريقية على دراسة خياراتها بعناية قبل اتخاذ المزيد من الديون.

ومع ذلك، من غير المرجح أن تتجاهل الحكومات الأفريقية المتعطشة لرؤوس الأموال المبادرات الأوروبية التي يمكن أن تجلب استثمارات بمليارات الدولارات؛ وفي بعض الأوساط، فإن اتفاق مجموعة العشرين قد يلقى بالفعل قبولا حسنا. ولكن في أماكن أخرى، قد يكون لدى القادة الأفارقة تحفظات بشأن مبادرة بقيادة أجنبية تشجع مشاريع ضخمة غير محددة، تطالب بتغييرات هيكلية عميقة في اقتصاداتها ومجتمعاتها، و تغرقها في ديون بصورة أعمق.